عندما تعلن دولة عربية أن الاقتصاد الرقمي يسهم بـ5% من ناتجها المحلي، فإن الرقم يخفي أكثر مما يكشف. هذه النسبة، المستمدة غالباً من إحصاءات العام 2024، لا تلتقط حقيقة أن ملايين المستخدمين ينتجون قيمة يومياً على منصات لا تسجل أي أجر، ولا تعكس أن شركة ناشئة للتمويل الأصغر قد ترفع دخل 100 ألف أسرة من دون أن يظهر أثرها الكامل في حسابات سنة واحدة. الناتج المحلي الإجمالي صُمم لعصر المصانع والسلع الملموسة، وليس لعصر البيانات والمنافع الرقمية المتشابكة. الاعتماد عليه وحده لتقييم نمو الاقتصاد الرقمي يشبه قياس سرعة الإنترنت بعدد الأسلاك النحاسية.
"لماذا لا يعكس الناتج المحلي الإجمالي القيمة الحقيقية للاقتصاد الرقمي؟
الناتج المحلي الإجمالي يحسب الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري والحكومي وصافي الصادرات، كلها معاملات نقدية مسجلة. لكن الاقتصاد الرقمي يولد نوعين من القيمة لا تدخل في هذه المعادلة: أولها، الفائض المجاني الذي يحصل عليه المستهلك من خدمات رقمية لا يدفع ثمنها نقداً، كالبريد الإلكتروني والخرائط ومنصات التواصل. أبحاث صدرت عام 2023 قدّرت أن القيمة السنوية غير المقاسة لهذه الخدمات تتجاوز 2.5 تريليون دولار عالمياً. ثانيها، البيانات التي ينتجها المستخدمون وتتحول إلى وقود للذكاء الاصطناعي والإعلانات الموجهة، وهي سلعة أولية تدخل في سلسلة قيمة لا تظهر إلا حين تتحول إلى إيرادات لدى شركات التكنولوجيا الكبرى خارج حدود الدول العربية غالباً. ما لا يحسبه الناتج المحلي، لا يمكن تحسينه، ولا يمكن فرض ضرائب عليه، ولا يمكن توجيه السياسات نحوه.
"هذه الفجوة ليست أكاديمية؛ عواقبها تظهر عندما تتباهى الحكومات بأن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نما بنسبة 7% سنوياً في حين أن القيمة الحقيقية التي تخلقها المنصات المحلية تتسرب إلى الخارج عبر رسوم السحابة والإعلانات الرقمية. لذلك، نمو النسبة المئوية في الناتج المحلي قد يخفي انكماشاً في السيادة الرقمية.
"ما المقاييس البديلة التي تلتقط القيمة المضافة الرقمية؟
المقياس الأول الذي يجب تبنيه هو “القيمة المضافة الرقمية” Digital Value Added، وهو لا يكتفي بإيرادات القطاع، بل يقيس الأثر الصافي للتحول الرقمي على كل القطاعات. على سبيل المثال، تطبيق زراعي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك المياه بنسبة 30% في الأردن يضيف قيمة اقتصادية وبيئية لا تظهر في مبيعات التطبيق فقط، بل في انخفاض فاتورة الاستيراد وارتفاع دخل المزارع. هذا الأثر التراكمي يُقاس بإنتاجية عوامل الإنتاج الكلية وتغير أسعار الخدمات، وهو ما يظهر في دول تبنت حسابات النمو المشبعة بالرقمنة كالصين والهند منذ عام 2022. بينما لا تزال الغالبية العربية تعتمد على منهجية الإنفاق فقط.
"- احتساب الأثر غير المباشر للرقمنة على القطاعات التقليدية، وليس فقط إيرادات شركات التقنية.
- قياس الزيادة في فائض المستهلك الناتج عن تحسن الخدمات الرقمية المجانية أو شبه المجانية.
- إدراج قيمة البيانات كأصل وطني يُنتج ويُخزن محلياً، تمهيداً لفرض ضرائب على استخراج القيمة من قبل الجهات الخارجية.
الناتج المحلي الإجمالي يحسب تكلفة الحلول المؤقتة كإضافة، لكنه يتجاهل القيمة الدائمة التي تخلقها المنصات الرقمية خارج السوق، وهذا التجاهل يُفقر السياسات قبل الميزانيات."
كيف يمكن للشمول المالي أن يكون مقياساً أفضل للنمو الرقمي؟
في الاقتصاد التقليدي، كل قرض استهلاكي يظهر في الناتج المحلي بصورة فورية إنفاقاً، لكنه قد يكون مقدمة لأزمة مديونية. أما الشمول المالي الرقمي فيخلق طبقة جديدة من النشاط الاقتصادي غير المرئي: افتتاح 5 ملايين محفظة إلكترونية في المغرب بين عامي 2023 و2025 لم ينعكس بالكامل في أرقام الناتج المحلي، لكنه رفع معدل الادخار بين الفئات غير المتعاملة مع البنوك من 2% إلى 8% خلال 18 شهراً، وفق مسح للبنك المركزي المغربي (2025). هذا التحول يبني قاعدة مستقبلية للإنتاج والاستثمار تفوق أثرها أي حزمة تحفيز نقدي تقليدية. قياس الاقتصاد الرقمي من خلال كثافة المعاملات المالية الصغيرة، وعدد الحسابات النشطة، وحجم التمويل الأصغر الممنوح عبر القنوات الرقمية، يمنح صورة أكثر دقة عن توزع الثروة الرقمية من رقم واحد في خانة النسبة المئوية.
"تماماً كما كشفت بيانات الرواتب في قطاع التقنية الهوة بين تصريحات التوظيف والواقع، تكشف مقاييس الشمول المالي الهوة بين التفاخر الرسمي بالتحول الرقمي وبين وصول الخدمات فعلياً إلى من يحتاجونها. متى أصبح تمويل بائع متجول عبر تطبيق جوال حدثاً يومياً، نكون أمام اقتصاد رقمي حقيقي، بغض النظر عما تقوله أرقام الناتج المحلي ربع السنوية.
"لماذا الاستدامة الرقمية باتت ضرورة في قياس التقدم؟
كل زيادة في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الرقمي تحمل حالياً تكلفة كربونية مخفية. مراكز البيانات التي تدعم الطفرة الرقمية العربية تستهلك كهرباء تضاهي استهلاك بلد صغير؛ تقديرات 2024 تشير إلى أن البصمة الكربونية للبنية التحتية السحابية في الشرق الأوسط قد تتضاعف ثلاث مرات بحلول 2028 ما لم تتحول مصادر الطاقة. عندما نحتسب النمو الرقمي دون خصم تكاليفه البيئية، نكافئ نموذجاً مستورداً للتنمية يضيف إلى محفظة الانبعاثات أكثر مما يضيف إلى الخزانة العامة على المدى الطويل. مقياس الاستدامة الرقمية، الذي يجمع بين كفاءة استخدام الطاقة لكل تيرابايت منقول أو معالج وبين معدل إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية، لا يقل أهمية عن رقم الإيرادات. إذا كانت 12% فقط من النفايات الإلكترونية يعاد تدويرها عالمياً، كما نوقش في تحليل سابق عن قيمة الهواتف القديمة، فإن صافي القيمة المضافة للاقتصاد الرقمي يجب أن يُصحح بهذا الهدر.
"الوكلاء الذاتيون والذكاء الاصطناعي الذين بدأوا يديرون خزائن الشركات، كما تظهره شراكة PwC و OpenAI في أول وكيل خزانة مستقل، سيضغطون على استهلاك الطاقة في مراكز البيانات المالية أكثر. حساب الكفاءة الكربونية لكل معاملة ذكية سيصبح قريباً شرطاً للاستثمار الأجنبي، لا مجرد ترف بيئي.
"من المستفيد الحقيقي من استمرار قياس النمو بالناتج المحلي فقط؟
"استمرار المؤسسات الدولية في تصنيف الاقتصادات بناءً على الناتج المحلي الرقمي التقليدي يخدم فئتين: الحكومات التي تريد أرقاماً سريعة للاستهلاك الإعلامي دون إصلاحات هيكلية مؤلمة، وعمالقة التكنولوجيا العالميين الذين يحققون إيراداتهم التي تحتسب ضمن الناتج المحلي للأسواق العربية بينما تُسجل أرباحهم في ملاذات ضريبية. الرابح ليس رائد الأعمال المحلي الذي يبني منصة للخدمات اللوجستية، ولا المرأة الريفية التي تبيع منتجاتها عبر تطبيق تمويل جماعي. هؤلاء ينتجون قيمة لا توزن بمقياس الناتج المحلي، فيفقدون قوتهم التفاوضية في طلب دعم حكومي أو استثماري لأن “مساهمتهم” لا تظهر في الإحصاءات الرسمية بوصفها مساهمة كبيرة.
"ختاماً، الإشارة التي تستحق المراقبة خلال الأشهر الستة المقبلة ليست تحديث نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي لعام 2026، بل ما إذا كان صندوق النقد العربي سيتبنى، ولو على سبيل التجربة، مؤشراً مركباً يجمع القيمة المضافة الرقمية والشمول المالي والاستدامة لدولة واحدة. تحرك من هذا النوع سيغير تعريف النجاح الرقمي في المنطقة جذرياً.

